محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

128

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فرأيت في سرادقات « 1 » العرش رجلا قد أشخص ببصره ينظر إلى اللّه تعالى لا يطرف ، فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال : هو معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنّته ، بل حبّا له ، فقد أباحه النظر إليه إلى يوم القيامة ، وذكر أن الآخرين : بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل رضي اللّه عنهما . قال أبو طالب المكيّ : « وروينا عن رابعة العدوية « 2 » ، وكانت إحدى المحبّين ، وكان سفيان الثوري « 3 » يجلس بين يديها ويقول : علمينا مما أفادك اللّه من طرائف الحكمة . وكانت تقول له : نعم الرجل أنت لولا أنك تحبّ الدنيا . وكان يعترف لها ويسلم قولها . وكان عالما زاهدا إلا أنه كان يؤثر كتب الحديث والإقبال على الناس ، وهي أبواب الدنيا ، وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة ، ولكل إيمان حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ما عبدت اللّه خوفا من النار فأكون كالعبد السوء إن خاف عمل ، ولا حبّا للجنة فأكون كالأجير السوء إن أعطى عمل ، ولكن عبدته حبّا له وشوقا إليه » . والآثار والحكايات في هذا المعنى كثيرة لا تنحصر . فإذا عمل المريد على ما ذكرناه كان عبدا للّه حقا ؛ فإن طلب منه الثواب أو استعاذ به من العقاب فإنما يطلبه أو يستعيذ به انتجازا لوعد ربّه ، وفرارا من دعوى رؤية حظّه ، واتباعا لما أحبه منه ، وأذن له فيه من طلبه لفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه وهذا وما أشبهه هو المعنيّ بالحديث المرويّ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرجل « 4 » : « ما تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهّد ، ثم أقول : اللهمّ إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ، أما واللّه ما أحسن دندنتك » ولا دندنة معاذ . فقال : حولها ندندن . لا أن يكون رجاؤه لحصول ذلك وخوفه من فقده باعثا له على القيام بطاعته وملازمة عبادته ، فيكون عمله إذ ذاك مدخولا معلولا . هذا هو مذهب العارفين والمحققين . وعليه تنبني قواعد التصوف كلّها .

--> ( 1 ) السرادقات : ( ج ) سرادق : ما يمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار . أو هو الخيمة الوسعة . ( 2 ) انظر ترجمتها في الأعلام 3 / 10 ، وفي وفيات الأعيان 2 / 285 - 288 . ( 3 ) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) من بني ثور بن عبد مناة ، من مضر ، أبو عبد اللّه ، أمير المؤمنين في الحديث ، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى ولد ونشأ في الكوفة ، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى ، وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة ، ثم طلبه المهدي فتوارى ، وانتقل إلى البصرة فمات فيها . له من الكتب : « الجامع الكبير ، والصغير » و « الفرائض » . ( الأعلام 3 / 104 ، وحلية الأولياء 6 / 356 ثم 7 / 3 ، وتهذيب الكمال 7 / 353 ، ووفيات الأعيان 2 / 386 - 391 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في ( السنن ، 910 ، 3847 ) ، وابن خزيمة في ( الصحيح 725 ) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن 514 ) .